الأحد، 4 مارس، 2012

الأمل


     إذا فقد المريض الأمل من الشفاء ، كره الدواء ، وكره الطبيب ، وضاق بالحياة والأحياء ، ولم يعد يجديه العلاج إلا أن يعود إليه الأمل ، وإذا فقد التلميذ الأمل من النجاح نفر من الكتاب والقلم ، وضاق بالمدرسة ، ولم يعد ينفعه درس خاص ولا عام ، ولا تهيئة الجو المناسب إلى أن يعود إليه الأمل .
     الأمل باب مفتوح وهذا يزيد من تفاؤلنا ونتذكر قول الله تعالى :{ فَإِنَّ مَعَ آلْعُسْرِ يُسْراً (5)إِنَّ مَعَ آلْعُسْرِ يُسْراً}(سورة الشرح:5-6).
 وهذا يعني أنه ما من عسر يأتي إلا ويأتي بعده اليسر ويقول سبحانه : {سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا}(سورة الطلاق:7)
، فكلما اشتدت علينا الأمور فلنعلم أن الفرج قد اقترب وهذا مصداق حديث الحبيب صلى الله عليه و سلم وهو يحدث أصحابه فيقول : ((واعلم أن النصر مع الصبر ، وأن الفرج مع الكرب ، وأن مع العسر يسراً))( السلسلة الصحيحة رقم (2382).


      يقول الله تعالى : {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ}(سورة يوسف:110) ، إننا معرضون في حياتنا لأنواع من الفشل في بعض التجارب ، وحريٌ بنا أن نوقظ في أنفسنا روح الأمل ، فنراجع أنفسنا باحثين عن أسباب الفشل لنتجنبها ، ونتلافى الأخطاء ، ولنحول الخسائر إلى أرباح ، ونجعل شعارنا دائماً : الأمل موجود .
  أُعلِّل النفس بالآمال أرقبهــــــا
  ما أضيق العيش لولا فسحةُ الأمل

حتى نكون متفائلين لابد أن نكون متوكلين على الله تعالى.


     فالتوكل على الله تعالى من أعظم واجبات المؤمن ، وأفضل الأعمال والعبادات المقربة للرحمن ؛ فإن الأمور لا تحصل إلا بالتوكل على الله سبحانه وتعالى والاستعانة به.
قال ابن القيم رحمه الله : ( ولو توكل العبد على الله حق توكله في إزالة جبلٍ من مكانه وكان مأموراً بإزالته ؛ لأزاله).
     وهذا التوكل لايقوم به على وجه الكمال إلا خواص المؤمنين كما في صفة السبعين ألفاً ، فالذي يحقق التوكل ليس كل الناس ، بل هم طائفة قليلة من الناس ذكرهم النبي صلى الله عليه و سلم بقوله : ((هذه أمتك يدخل الجنة من هؤلاء سبعون ألفاً بغير حساب )) ، ثم دخل ولم يبين لهم من هم وما هي صفاتهم ؛ فأفاض القوم وقالوا : نحن الذين آمنا بالله واتبعنا رسوله ؛ فنحن هم ، أو أولادنا الذين ولدوا في الإسلام ؛ فإنا ولدنا في الجاهلية فبلغ النبي صلى الله عليه و سلم هذا القول منهم فخرج وقال : (( هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون )) فقال عكاشة بن محصن : أَمِنْهُم أنا يا رسول الله ؟ قال : ((نعم )) ، فقال آخر : أمنهم أنا ؟ فقال صلى الله عليه و سلم :  ((سبقك بها عُكاشة))( رواه البخاري (5752) ، ومسلم (220).
     ومن المتوكلين عمران بن حصين وهو من سادات المتوكلين وكان به بواسير ، وكان يصبر على ألمها ؛ فكانت الملائكة تسلم عليه ، فاكتوى ؛ فانقطع تسليم الملائكة عليه، ثم ترك الكي وصبر على الألم؛ فعاد سلام الملائكة عليه.
     ومن الآيات التي تدل على فضل التوكل قوله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ}(سورة الزمر:38).
     والتوكل من أعظم الأسباب في جلب المنافع ودفع المضار، قال صلى الله عليه و سلم : (( لو أنكم توكلتم على الله حق توكله ؛ لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً ))( رواه الترمذي (2344) ، وصححه الألباني في صحيح الجامع (5254).
     فأفئدة الطير مليئة بالتوكل على الله ، ولو أننا توكلنا على الله كما يتوكل الطيرُ ؛ لرزقنا مثل ما يرزق الطير . والأسباب ولو كانت يسيرة وضعيفة ، يبذلها العبد ، والله سبحانه وتعالى يبارك فيها ويجعل فيها أثراً ، والله علمنا ذلك من قصة مريم .
توكل على الرحمن في كل حاجة   
                                    ولا تؤثرنّ العجز يوماً على الطلبْ
ألم تر أن الله قـــــــــــال لمريـــــــــــــــم        
                                     إليكِ فهزي الجذع يساقط الرُّطَبْ
ولو شاء أن تجنيه من غير هزِّهــــا          
                                    جنَتْهُ ولكــــــــن كــــــــل شيء له سبب
     فلنتخيل حال امرأة ضعيفة هي في أقوى حالاتها أضعف من الرجل ، وهي في حال النفاس أضعف ما تكون المرأة ، والنخلة شجرة  جذعها قوي ولكن الله قال :{وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا}(سورة مريم:25)، ولكن بالسبب الضعيف جعل النتيجة .
     وهناك قصة لطيفة لامرأة ، رواها الإمام أحمد رحمه الله في مسنده يقول في الحديث عن النبي صلى الله عليه و سلم : (إن امرأة خرجت في سرية من المسلمين وتركت ثنتي عشرة عنزاً لها وصيصيتها كانت تنسجُ بها، ففقدت عنزاً من غنمها وصيصيتها؛ فقالت يارب إنك قد ضمنت لمن خرج في سبيلك أن تحفظ عليه وإني قد فقدت عنزاً من غنمي وصيصيتي وإني أنشدك عنزي وصيصتي ) فجعل رسول الله يذكر شدة مناشدتها لربها – تبارك وتعالى – وشدة توكلها على الله ، وخرجت في سبيل الله ومعتمدة أن الله يحفظ مالها ولما عادت لم تقل: إن الله أخلف وعده ، ولكن نشدت ربها ما وعد به وأخذت تلح وتلح . قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ((فأصبحت عنزها ومثلها وصيصيتها ومثلها))( رواه أحمد في مسنده (20141) ، وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (6/1047). رجع مضاعفاً ؛ لما نامت على الدعاء والتوكل .
     ولنتذكر دائماً قول الله تعالى :{وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا}(سورة هود:6).

لنضع لأنفسنا أهدافاً سامِية نحاول الوصول إليها دائماً .


     ماذا نريد من هذه الحياة ؟.
     فالسير في الحياة بدون هدف ، يشبه الإبحار في المحيط دون أن تحدد إلى أين تتجه ، وكلما سما هدف المرء ضاعف جهده للوصول إليه ، ولذلك يُلحظ على أكثر المحبطين والفاشلين والعاجزين أنهم لا هدف لهم إطلاقاً أو أن أهدافهم تافهة حقيرة لا قيمة لها ، ويُرى أن أكثر المتفائلين كانت لهم أهداف عظيمة حاولوا الوصول إليها، فأفلحوا تارة وأخفقوا أخرى .
     (إن تحقيق هدفك بحاجة إلى مزيد من العزيمة ، وقوة الإرادة ، والثقة بالنفس ، والقوة النفسية ، والشجاعة الأدبية ، بَيْدَ أننا سنواجه سيلاً عارماً من التثبيط ، ومن التشكيك ، ومن التنقيص ، وكل ذلك بهدف التقليل من مكانتنا وشأننا ، ولا ضير من ذلك إذا كانت مناعتنا النفسية قوية ، فهناك عوائق وعقبات ومشاكل في طريق أهدافنا ، علينا أن نستعد لكل ذلك وأبعد من ذلك ، ولنتأكد من أن الطَرْق المتكرر لابد وأن يفتت الصخرة الصماء ).

ومن الإضاءات المهمة في تحقيق الأهداف:
v (كثير من الناس يظهرون ارتباكاً عظيماً في التعامل مع (اللحظة الحاضرة) وذلك بسبب أنهم لم يفكروا فيها قبل حضورها، فتتحول فرص الإنجاز والعطاء إلى فراغ قاتل ومفسد.
وكل هدف صغير يقتطع جزءاً من الهدف الكبير ، ويؤدي إلى قطع خطوة في الطريق الطويل ؛ وعدم وجود أهداف صغيرة ، يجعل الهدف النهائي يبدو دائماً كبيراً وبعيداً).  
v وضع الأهداف المناسبة، فلا تكون خيالية ولا تكون أهدافاً وضيعة، وأن تكون الأهداف إيجابية لا سلبية  ، و يكون الهدف محدداً وواضحاً لا غموض فيه ولا لبس ، ولذا فعلينا أن نواظب على كتابة أهدافنا في ورقة بيضاء، أو مفكرة خاصة ، وهذا بمثابة إشهار رسمي لنا بما نريد ؛ لأنه من الخطأ أن نستمر في الحياة كيفما اتفق سائرين مع اتجاه التيار السائد، وبهذه الطريقة لن نحقق شيئاً يذكر ، وبدون تحديد الأهداف تصبح الحياة مجرد مصادفات وحوادث لا معنى لها ولا قصد من ورائها سوى أنها تحدث لنا ، مثلما تحدث لغيرنا .
v أن نميز بين أهدافنا الأساسية التي نسعى لتحقيقها وبين بقية الأهداف الثانوية التي ستشد انتباهنا عبر مسيرة حياتنا، فالأهداف لا تتحقق وحدها دون أن نستدعيها ، فهي تميل للاختلاط والتشابك والتداخل مع بعضها فيصبح تمييزها عن غيرها صعباً .
انظر مثلاً لما يحدث في حياتنا اليومية ، فعندما نذهب لنتسوق دون أن نحدد مسبقاً ما نريد شراءه ، فسوف ننفق كل نقودنا على شراء كل ما يصادفنا ، دون أن نشتري ما نحتاجه بالفعل . فنعود إلى منازلنا مرهقين وننسى ما كنا نبحث عنه منذ البداية .
v أين نحن الآن ، وأين نريد أن نكون ؟ وهذا السؤال مهم في كل عملية تخطيط ، فعادةً نحن لا نخطط للفشل، ولكن نفشل في التخطيط .
v   وضع خطة مناسبة لتحقيق هذه الأهداف .
v   لابد من تحديد الوسيلة التي ستوصلنا إلى أهدافنا .
v هل نحن مستعدون وقادرون ؟ أم أننا نركض وراء سراب زائل ؟ فنحاول اقتناص فرص عابرة وسريعة لنصبح أغنياء بين عشية وضحاها .
v   عدم الإفراط في الطموحات .
v وضع مدة زمنية محددة وواضحة، والفترات الزمنية المفتوحة لا تتحقق فيها الأهداف ، بل تسرح وتتوه فيها الأحلام .
v   تقسم الأهداف الكبرى إلى أهداف مرحلية ، ليسهل تحقيقها، وتقسيم الأهداف العريضة إلى أهداف تفصيلية.
v   وضع الأهداف بما يتناسب مع الإمكانات .
v   وجود فترات تقييم مرحلية .
v   وضع البدائل.
v   أن تؤدي أهدافنا إلى تغيير ، فلا يصح أن تكون أهدافنا هي إبقاء الأوضاع كما هي عليه ، بل يجب أن يتضمن الهدف تغييراً إيجابياً .
يجب أن يتعلق الهدف بالمستقبل ، لا بما مضى .

حتى نكون متفائلين لنكن أصحاب رؤية واضحة .


     عندما نفكر في أشخاص نعرفهم يشعرون بالاكتئاب والتشاؤم أو التطير ، فسنجد أنهم أناس يعيشون بدون رؤية واضحة لحياتهم ، أي أنهم لا يعرفون ما يريدونه بالضبط، بينما الأشخاص الذين يعيشون رؤاهم ويحولون رؤاهم إلى أهداف نجدهم يشعرون بقدر كبير من التفاؤل .
     وكلما كان طموحنا أكبر ،  زاد التزامنا وسعينا لتحقيقه . الرؤية الحقيقية تكون متطورة ونامية ، وقابلة للارتقاء والامتداد لتلاحق طموحنا ، دون أن تصل إلى نهاية مغلقة .
      ولنعلم أن هناك أناساً سيحاولون إقناعنا بالتخلي عن رؤانا ، وبأنه من غير الممكن تحقيق تلك الرؤية ، وسيكون هناك آخرون يضحكون منا ، ويحاولون النزول بنا إلى مستواهم . مونتي روبرتس يسمي هؤلاء الناس " سارقوا الأحلام " فلا تنصت إليهم .
     (فعندما كان مونتي طالباً في المدرسة العليا، أعطى المدرس طلاب الصف مهمة الكتابة عما يرغبون عندما يكبرون . كتب مونتي أنه يرغب في امتلاك مزرعة على مساحة هائلة من الأرض يربي فيها العديد من خيول السباقات . أعطاه المدرس درجة ضعيف جداً وبرر ذلك بأن الدرجة تعكس اعتقاده بأن الهدف كان بعيداً عن الواقعية. فما من غلام فقير يعيش في البر على ظهر شاحنة يمكنه بأي حال من الأحوال أن يجمع مالا يكفي لشراء مزرعة على مساحة هائلة من الأرض ، وشراء الخيول وأدواتها ومتطلبات تربيتها ، وأيضا دفع أجور العاملين في المزرعة . وعندما عرض المدرس على مونتي فرصة إعادة كتابة ورقته من أجل الحصول على درجة أعلى ، قال له مونتي :" احتفظ أنت بالدرجة ، وسأحتفظ أنا بحلمي ". واليوم أصبح مونتي يمتلك مزرعته المقامة على مساحات شاسعة من الأرض في كاليفورنيا ، ويربي خيل السباق ويدرب المئات من مدربي الخيول عند اختيارهم للانضمام لمدربي خيوله . لأنه فقط لم يدع أحداً يسرق حلمه ... !!).
Accolades: قصة ربيعة الأسلمي     وأفضل من ذلك كله ما جاء في قصة ربيعة الأسلمي رضي الله عنه عندما ترك رعي الأغنام وانتقل لخدمة النبي صلى الله عليه و سلم يقول : (كنت أخدم رسول الله صلى الله عليه و سلم وأقوم له في حوائجه نهاري أجمع حتى يصلي رسول الله صلى الله عليه و سلم العشاء الآخرة فأجلس ببابه إذا دخل بيته أقول لعلها أن تحدث لرسول الله صلى الله عليه و سلم حاجة فما أزال أسمعه يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم سبحان الله سبحان الله سبحان الله وبحمده حتى أمل فأرجع أو تغلبني عيني فأرقد قال فقال لي يوما لما يرى من خفتي وخدمتي إياه سلني يا ربيعة أعطك قال فقلت انظر في أمري يا رسول الله ثم أعلمك ذلك قال ففكرت في نفسي فعرفت أن الدنيا منقطعة زائلة وأن لي فيها رزقا سيكفيني ويأتيني قال فقلت أسال رسول الله صلى الله عليه و سلم لآخرتي فإنه من الله عز وجل بالمنزل الذي هو به قال فجئت فقال ما فعلت يا ربيعة قال فقلت نعم يا رسول الله أسألك أن تشفع لي إلى ربك فيعتقني من النار قال فقال من أمرك بهذا يا ربيعة قال فقلت لا والله الذي بعثك بالحق ما أمرني به أحد ولكنك لما قلت سلني أعطك وكنت من الله بالمنزل الذي أنت به نظرت في أمري وعرفت أن الدنيا منقطعة وزائلة وأن لي فيها رزقا سيأتيني فقلت أسال رسول الله صلى الله عليه و سلم لآخرتي قال فصمت رسول الله صلى الله عليه و سلم طويلا ثم قال لي إني فاعل فأعني على نفسك بكثرة السجود)( حسنه الألباني رحمه الله في إرواء الغليل (2/208).
    إن إحساسنا برؤية مستقبلية متفائلة يزيل عنا كل عقبة وصعوبة ألم لتحقيقه.

كن واثقا بالله تعالى أولا ثم ابذل جهدك


ولنستلهم المعونة  والتوفيق من الله سبحانه وتعالى دائماً ، فالثقة هي الجسر الذي يربط التوقعات بالأداء والاستثمار بالنتائج .
      عندما يتخذ الأداء طريقاً إيجابياً أو سلبياً . يصعب الوقوف في وجه تياره فيستمر في اندفاعه . ومن هنا نستطيع التنبؤ أو توقع حدوث مشكلات في العمل . وحتى المرضى على أسرتهم ، نستطيع أن نتوقع احتمالات شفائهم أو هلاكهم من خلال مستويات الثقة التي يتمتعون بها ، إذ ندرك بجلاء أن شفاء المريض من عدمه يعتمد في معظم الأحيان على حالته النفسية .
     وتنشأ الثقة من مجموعة  من التوقعات الإيجابية لتحقيق نتائج إيجابية.

للعقيدة أثر كبير في جعلنا متفائلين


    ففي الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك)( صحيح سنن  الترمذي للألباني (2/308) ، وعندما يعلم الإنسان أن الأمور مفروغ منها ومكتوبة،لا يحزن، فالله تعالى يقول:} مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ( 22)لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور{(سورة الحديد 22-23)  ، وقال تعالى :{ مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}(سورة التغابن11).
   والذي يؤمـــــن بأن الله حكيـــم لا يُقـــدر شيئــاً إلاّ لحكمـــــة – سواء أدركها الإنسان ذو العقل القاصر أم لم يدركها –فإنه يتقبل الأحداث ويعلم أن فيها خيراً له ، ومن ذلك قصة الخضر مع موسى عليه السلام ، والتي ذُكرت في سورة الكهف ، ففي هذه القصة جرى ضمن أحداثها أن قَتَلَ الخضر غُلاماً فتعجب موسى عليه السلام ، وأنكر عليه قائلاً:{ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا}(سورة الكهف:74)
 فبين له الخضر لاحقاً السبب :{ وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا}(سورة الكهف:80-81).
     فالذي ظهر لموسى أن قتل الغلام كان مصيبة من المصائب – وقد يكون هذا ظهر للأبوين أيضاً – بينما الحقيقة أن الله أنزل رحمته على الأبوين ؛ لأنهما مؤمنين يحبهما الله تعالى ، فعلم سبحانه ما هو خيرلهما فقدر قتل الغلام .

إدراك أن كل ما أمرنا الله عز وجل به فهو مما نطيق فعله


¨      إدراك أن كل ما أمرنا الله عز وجل به فهو مما نطيق فعله وهو علينا يسير ولذا فالجميع قادرون على صناعة التفاؤل.
      وصناعة التفاؤل الحقيقي تبدأ من الداخل قال صلى الله عليه و سلم: ((إنما العلم بالتعلم ، و الحلم بالتحلم))( السلسلة الصحيحة للألباني رحمه الله تعالى ، (342)، وعن الحسن البصري – رحمه الله -قال: ( إذا لم تكن حليمًا فَتَحَلَّم، وإذا لم تكن عالمًا فتعلم، فقلما تشبه رجل بقوم إلا كان منهم ).
     وقال الغزالي (المتوفى عام 505هـ) – رحمه الله – في كتابه «إحياء علوم الدين»: (.. من أحب شيئًا أكثر من ذكره، ومَن أكثرَ ذكرَ شيء وإن كان تكلّفًا أحبه، ولا يصدر الأنس إلا من المداومة على المكابدة والتكلّف مدة طويلة حتى يصير التكلف طبعًا. وقد يتكلف الإنسان تناول طعام يستبشعه أولاً، ويكابد أكله، ويواظب عليه، فيصير موافقًا لطبعه حتى لا يصبر عنه، فالنفس معتادة متحملة لما تتكلف... ).
      فوجود قناعة لدينا بضرورة التغيير لنصبح متفائلين، شرط مهم للغاية، وقبلها الرغبة؛ لأن الرغبات الضعيفة تعطي نتائج ضعيفة  فقد يطلب منا الآخرون التغيير، ولكن لن يجبرنا أحد على التغيير ، ومن لا يتغيير من الداخل، لا يتغيير أبداً، كما أن الناس قادرون على تغيير طباعهم السيئة، حيث تشير الإحصائيات إلى أن نسبة من يقومون بتغيير أوضاعهم وسلوكياتهم للأفضل هم 3% فقط وأما بقية الـ 97% فهم من أهل الشكاية.
     ولنكن على ثقة تامة بالله  أننا نملك خزائن كثيرة ومستودعات كبيرة بها من القدرات والطاقات والمواهب ما يؤهلنا أن نصنع الكثير، ولكن معظم الناس يفضلون الاستقرار على التغيير .
     ولا أبالغ إذا قلت: أن كثيرين ممن حولنا يعيشون إحباطاً كبيراً إلى درجة أنهم قد حكموا على أنفسهم بالفشل، لأنهم يرفضون التغيير.
 فقد عشت سنوات طويلة في دور الملاحظة الاجتماعية ، وفي دور الأيتام ، ودور التوجيه الاجتماعية  ، وقابلت مئاتٍ بل آلافاً من نزلاء الإصلاحيات ، وتحدثت مع كثير من الشباب ، وكثير منهم يرفض التغيير ويعيش في أجواء مظلمة يرفض أن يرى ضوء الشمس ونور القمر .
     بل حتى عندما كنت أقدم الاستشارات للآباء والأمهات في تعاملهم مع أبنائهم – المراهقين منهم خاصة – كنت ألمس أنهم يريدون العصا السحرية والتي تنقل أبناءهم من محبطين إلى متفائلين ويرفضون تغيير أنفسهم ابتداء